الشيخ محمد النهاوندي
352
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للوحي . وروي من طرق العامّة أنّه صلوات اللّه عليه وآله كان يقع في روعه ويتوقّع من ربّه أن يحوّله إلى الكعبة ، لأنّها قبلة أبيه إبراهيم عليه السّلام وأقدم القبلتين . وأدعى للعرب إلى الإيمان من حيث إنّها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا ، ولمخالفة اليهود ، فإنّهم كانوا يقولون إنّه يخالفنا في ديننا ، ثمّ إنّه يتّبع قبلتنا ، ولولا نحن لم يدر أين يستقبل . فعند ذلك كره أن يتوجّه إلى قبلتهم - إلى أن قال - إنّه صلّى اللّه عليه وآله جعل يديم النّظر إلى السّماء رجاء أن يأتيه جبرئيل بالذي سأل ربّه ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . ثمّ اعلم أنّ توضيح معنى كراهة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله التوجّه إلى الصّخرة بعد ما اتّصلت به مقالات اليهود ، أنّه لاتّصال نفسه المقدّسة باللّوح المحفوظ ، واطّلاعه على انقضاء عدّة الصّلاح العارضيّ الذي كان في التوجّه إلى الصّخرة ، وتحقّق الصّلاح الملزم في التوجّه إلى الكعبة ، كره التوجّه إلى الأوّل ، وأحبّ التوجّه إلى الثاني ، فكان ينتظر الوحي وصدور الأمر من اللّه . ثمّ لمّا كان تمام الصّلاح في حكمه تعالى متوقّفا على أن يقع التّحويل باستدعائه وإظهار رضاه به ، وكراهته عن التوجّه إلى قبلة اليهود ، وكان ذلك مصادفا لمقالاتهم الشّنيعة ، أظهر عليه السّلام تلك الكراهة وذلك الرّضا ، وسأل ودعا ، فأبان اللّه عظمة شأن حبيبه عنده بإجابة دعائه وموافقة رضاه بقوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ولنعطينّك قِبْلَةً تَرْضاها ولنجعلنّك متمّكنا من استقبال جهة تحبّها لمصالح دينيّة من غير [ دواعي ] الهوى النفسانيّة . قيل : إنّه تعالى قال : قِبْلَةً تَرْضاها ولم يقل قبلة أرضاها للإشارة إلى أنّ جميع الكائنات يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدّارين ، أمّا في الدّنيا فبتحويل القبلة ، وأمّا في الآخرة فبالعفو عن أمّتك حتّى ترضى « 2 » . فَوَلِّ وحوّل وَجْهِكَ مع جميع مقاديم بدنك في حال صلاتك شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ونحوه ، وفي ذكر الشّطر إشعار بكفاية مراعاة الجهة وعدم لزوم الاستقبال الحقيقيّ لعين الكعبة بحيث إذا خطّ مستقيما انتهى إليها . وقيل : إنّ فيه إشعارا بوجوب التّوجّه إلى العين لوقوع الكعبة في شطر المسجد وهو نصفه ، والحقّ هو الأوّل .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 251 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 95 .